ولا يأتي موقع الملك على منصة المتحدثين اعتباطا؛ فبحسب جدول أعمال الجمعية، يتحدث جلالته خامسا، في ترتيب يضعه مباشرة بعد ثلاثة من أبرز الأسماء على الساحة الدولية هذا العام: الأمين العام أنطونيو غوتيريش، ورئيس الجمعية العامة خليل الرحمن، والرئيس البرازيلي لولا دا سيلفا، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتنطلق الجلسات عند التاسعة صباحا بتوقيت نيويورك (الرابعة عصرا بتوقيت عمّان)، على أن تصل كلمة جلالته على الأرجح بين الخامسة والخامسة والنصف مساء بتوقيت الأردن.
ووفق جدول أعمال الجمعية العامة فإن جلالة الملك خامس المتحدثين بعد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، ورئيس الجمعية العامة خليل الرحمن، والرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
محطة سنوية لموقف أردني ثابت
لطالما مثّل ظهور الملك على منبر الأمم المتحدة أكثر من مجرد إطلالة بروتوكولية؛ فهو موعد سنوي يستثمره الأردن لعرض قراءته لأخطر الملفات الإقليمية والدولية، وفي مقدمتها بطبيعة الحال القضية الفلسطينية، مقرونة بدعوة متجددة لحلول سياسية تستند إلى الشرعية الدولية بدل الحلول الأمنية أو الأمر الواقع.
فعلى مدار سنوات متعاقبة من هذه الخطابات، لم يتوقف جلالته عن التحذير من أن استمرار الاحتلال دون أفق سياسي واضح يقوّض أي فرصة حقيقية للاستقرار في المنطقة، مكررا موقفا أردنيا ثابتا مفاده أن الأمن الإقليمي مرتبط عضويا بحل عادل وشامل يفضي إلى دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، ضمن حل الدولتين الذي تتمسك به عمّان كخيار وحيد قابل للحياة.
غير أن أجندة الملك في نيويورك لم تنحصر يوما في هموم المنطقة وحدها، إذ اعتاد جلالته توسيع دائرة النقاش لتشمل قضايا كونية أكبر: من احترام القانون الدولي وحقوق الإنسان، إلى تعزيز العمل الجماعي متعدد الأطراف، مرورا بمكافحة التطرف والإرهاب، وصولا إلى ملفات اللجوء والتغير المناخي وشح المياه والأمن الغذائي - وهي كلها عناوين تتقاطع مباشرة مع واقع الأردن كدولة تتحمل أعباء إقليمية تفوق حجمها الجغرافي.
صدى خطاب العام الماضي: "إلى متى؟"
ولعل خطاب جلالته في الدورة الثمانين، العام الماضي، بقي الأكثر حضورا في الذاكرة، حين اختار أن يضع حرب غزة في قلب كلمته منذ الجملة الأولى، متسائلا بمرارة عن جدوى الكلام أمام حجم المأساة، وواصفا الصمت الدولي بأنه ضرب من التخلي عن الإنسانية ذاتها.
وفي لحظة استحضار رمزية، ربط جلالته بين الذكرى الثمانين لتأسيس الأمم المتحدة والتعهد التاريخي بعدم تكرار أخطاء الماضي، في مقابل مشهد فلسطيني لا يزال ينزف، ليطلق تساؤله الذي تردد صداه واسعا: "إلى متى؟" - سؤال حمل في طياته مطالبة ضمنية بحل ينصف جميع الأطراف ويعيد لعائلات المنطقة حياتها الطبيعية.
ولم يتردد جلالته في وصف الحرب على غزة بأنها من أحلك الفصول في تاريخ الأمم المتحدة، منتقدا بشكل مباشر اكتفاء المجتمع الدولي بالإدانات اللفظية دون قرارات ملزمة، في وقت استمرت فيه إسرائيل - على حد تعبيره - بالتوسع الاستيطاني وهدم المنازل وتشريد السكان، متجاهلة عقودا من الاتفاقيات والتفاهمات المرحلية التي فشلت في إنتاج حل نهائي.
أعباء الإقليم... من الإرهاب إلى المياه
خارج الملف الفلسطيني، شكلت أزمات المنطقة الأوسع محورا متكررا في كلمات جلالته، إذ دأب على التذكير بأن الحلول الأمنية وحدها عاجزة عن إنهاء دوائر الصراع، داعيا باستمرار إلى إعلاء صوت الحوار السياسي.
كما لم يفصل جلالته يوما بين مكافحة الإرهاب ومواجهة الفكر الذي يغذيه، مؤكدا أن الأمن وحده لا يكفي ما لم تُجفف منابع التطرف والكراهية فكريا وثقافيا.
وإلى جانب هذه الملفات الأمنية، حرص الملك على أن يذكّر العالم بثقل عبء طالما تحمله الأردن بصمت: استضافة أعداد كبيرة من اللاجئين، في وقت تُترك فيه الدول المضيفة لتواجه وحدها ضغوطا متصاعدة على مواردها المحدودة وخدماتها الأساسية - وهو ملف طالب جلالته مرارا بأن يتحمل المجتمع الدولي نصيبه العادل منه.
وامتدت مخاوف جلالته إلى ما هو أبعد من السياسة والأمن، لتشمل تحديات وجودية مثل التغير المناخي وندرة المياه والأمن الغذائي - قضايا يعيشها الأردن بشكل مباشر في ظل محدودية موارده الطبيعية، وتستدعي بحسب رؤيته تعاونا دوليا حقيقيا لا مجرد تعهدات على الورق.
وفي نهاية المطاف، تختصر هذه الخطوط مجتمعة الرسالة التي يحملها الملك كل عام إلى نيويورك: أن الأزمات لم تعد تعرف حدودا وطنية، وأن مواجهتها تستوجب عملا جماعيا حقيقيا يُترجم فيه القانون الدولي إلى واقع، لا إلى شعارات.






